Karen


 
ÍndiceÍndice  GaleríaGalería  FAQFAQ  BuscarBuscar  Grupos de UsuariosGrupos de Usuarios  RegistrarseRegistrarse  Conectarse  أدخل وسجل نفسكأدخل وسجل نفسك  

Comparte | 
 

 أفكار هيجل الجزء الأول

Ver el tema anterior Ver el tema siguiente Ir abajo 
AutorMensaje
farouk
General
General
avatar


عدد المساهمات : 441
نقاط : 4189
التميز : 4
تاريخ التسجيل : 27/09/2009
العمر : 26
الموقع : www.palikao0031.skyrock.com

MensajeTema: أفكار هيجل الجزء الأول   Dom Oct 18, 2009 2:00 am

التعريف بالمفكر الألماني
"هيجـل"
(حياته وبيئته ومنهجه وفكره)
أولاً : حياته وبيئته:
ولد "جورج فيلهلم فردريك هيجل" في عام 1770م بمدينة "شتوتجارت" الألمانية،
وكان والده أحد موظفي الشئون المدنية في "مملكة فورتمبرج"، حيث كانت
ألمانيا – وقتذاك – مفتتة إلى ما يزيد عن ثمانين وحدة سياسية مستقلة(1).
غادر "هيجل" شتوتجارت وهو في الثامنة عشرة من عمره، وذلك بعدما أنهى
دراسته بالمرحلة الثانوية، حيث يمم وجهه شطر سويسرا، والتحق بجامعة
"توبنجن" (Tubingen) ليدرس اللاهوت والتاريخ. والحق أن اهتمام "هيجل"
بالتاريخ قد راح يستغرق قدراً لا يستهان به من وقته، ذلك إلى جانب دراسته
الأساسية اللاهوتية. ويبدو أن الفكر الإغريقي – على وجه الخصوص – قد كانت
له مكانته المميزة عند الشاب الألماني، فقد كان شديد الإعجاب بمفكري
الإغريق وعلى رأسهم "أفلاطون"، وليس أدل على ذلك من أنه قد أعتبر أن
الحضارة الغربية تدين بكثير من الفضل لمفكري الأغريق، بل وراح يجاوز ذلك
ليعطي ذلك الفكر مرتبة أسمى من الديانة المسيحية ذاتها(2).
وعلى ذلك
فلعنا لا نجاوز الحقيقة إذا ما قلنا أن "هيجل" قد تأثر إلى حد كبير بفكر
"أفلاطون" الميتافيزيقي لاسيما فيما يتصل بفكرة وحدة الوجود التي قوامها
أنه لا حقيقة في العالم المحسوس وأن الحقيقة هي من شأن عالم الروح فحسب،
وهو الأمر الذي سيتضح من ثنايا منهجه وفكره على نحو ما سنعرض له لاحقاً.
لم يمكث "هيجل" طويلاً بمدنية "توبنجن"، فبمجرد إنتهائه من دراسته
الجامعية، غادرها متجهاً إلى مدينة "برن"، حيث عمل بها مدرساً خصوصياً على
مدى 4 سنوات ما بين عامي 1793 و 1797(3)، وذلك في نفس الوقت الذي راح فيه
يواصل دراسته اللاهوتية للديانة المسيحية ولشخصية السيد المسيح عليه
السلام(4).
وبحلول عام 1797، غادر "هيجل" برن إلى مدينة "فرانكفورت"
الألمانية، حيث واصل عمله بالتدريس الخصوصي، وإن اهتم – وللمرة الأولى –
بالشئون السياسية والاقتصادية إلى جانب عنايته باللاهوتية. وبعد أقل من
عامين غادر "هيجل" "فرانكفورت" متجهاً إلى مدينة "يينا Jena" حيث عين
محاضراً بجامعتها، ثم ما برح أن حصل على كرسي الأستاذية في الفلسفة
والرياضيات من ذات الجامعة في عام 1805.
والحق أن وجود "هيجل" في
مدينة "يينا" خلال تلك الفترة قد لعب دوراً مؤثراً في حياته، ففي عام 1806
شاهد "هيجل" الزعيم الفرنسي "نابليون بونابرت" يتصدر جحافل جنوده وهو يجوب
شوارع المدينة الألمانية بعد هزيمة جيشها المذلة أمام الفرنسيين. ويبدو أن
هذا المشهد لم يفارق مخيلة المفكر الألماني الذي تأثر به إلى حد أنه – ومن
جراء تعلقه بشخصية نابليون ومشهده – قد أعتبر أن "الحكم المطلق للزعيم" هو
أمثل أشكال الحكم على الإطلاق!!. وليس أدل على ذلك من عبارات "هيجل"
الشهيرة التي علق فيها على هذا المشهد، قائلاً: "لقد رأيت الأمبراطور
ممتطياً صهوة جواده، يستكشف أرجاء المدينة.. وإنه لإحساس عجيب حقاً أن ترى
فرداً واحداً في نقطة واحدة ومع ذلك تستشعر أنه يعبر العالم بأسره ويتحكم
فيه"(5).
وعلى أية حال، فقد غادر "هيجل" "يينا" في عام 1808، متجهاً
إلى مدينة "نورمبرج"، حيث استطاع أحد أصدقائه أن يجد له وظيفة بإحدى
مدارسها الكلاسيكية، وذلك كأستاذ للفلسفة ومدير للمدرسة في نفس الوقت،
ولعلها المرة الأولى منذ سنوات طويلة من عمر "هيجل" التي يحصل فيها على
أجر منتظم، إذ أن عمله بجامعة يينا لم يكن نظير أجر محدد، وإنما مقابل
مكافأة يدفعها الطلاب. وعلى الرغم من أن مستوى تلك المدرسة لم يكن يرقى
إلى المستوى الجامعي، إلا أن "هيجل" تعامل مع وظيفته بجدية، بل وراح يسعى
جاهداً في تطوير المدرسة رغم نقص الأجهزة والاعتمادات المالية(6).
والحق أن إنشغال "هيجل" بالتدريس لم يقف حجر عثرة في وجه اهتماماته
الفلسفية، حتى أنه استطاع أن ينتهي من كتابه الشهير "علم المنطق" في أثناء
عمله بالتدريس، ولينشره في ثلاثة مجلدات صدرت على التوالي في أعوام 1812،
1813، 1816. وبمجرد أن نشر هذا الكتاب، حتى ذاع صيت هيجل في الأوساط
الفلسفية، فتلقى ثلاثة عروض ليشغل كرسي الفلسفة في ثلاث جامعات هي "برلين"
و "هيدلبرج" و "ارلانجن". ولأن عرض جامعة "هيدلبرج" كان هو أسرع تلك
العروض وأكثرها جدية، فقد قبله "هيجل" على الفور، وبذلك أصبح أستاذاً
للفلسفة في تلك الجامعة على مدى عامين (1816 – 1818)(7).
هذا بيد أن
القدر قد كان يدخر لهيجل الموقع الأكثر بروزاً في حياته، فعلى أثر وفاة
الفيلسوف الألماني الشهير "فيخته Fichte" في عام 1818، أستدعي "هيجل"
ليشغل موقعه في كرسي الفلسفة بجامعة "برلين"، وياله من موقع مرموق، فما أن
شغل "هيجل" ذلك الكرسي حتى ذاعت شهرته في سائر الأصقاع الألمانية، وعلا
نجمه في أفق الفلسفة والفكر، بحيث أضحت القاعة التي يلقى فيها محاضراته
بمثابة سوق رائجة يفد إليها الألمان من كل حدب وصوب طلباً للمعرفة في رحاب
ذلك الفيلسوف الفذ ذي الصوت الخفيض. وهكذا أصبحت "جامعة برلين" قبلة
للفلسفة، حتى أن فردريك فيلهلم الثالث ملك بروسيا قد وصف ذلك بقوله: "إن
نجاحنا في المجئ بهيجل إلى جامعة برلين لهو مصدر فخار لنا"(Cool.
ثانياً: منهج "هيجل":
تأثر "هيجل" – على نحو ما أشرنا – بالفكر الإغريقي بصفة عامة، وبأفكار
"أفلاطون" بصفة خاصة، ولذلك فقد راح يبدأ من نفس المقدمات التي بدأ منها
الفيلسوف الإغريقي، والتي قوامها أن الحقيقة تكمن في عالم الروح دون سواه.
هذا بيد أن ثمة إختلافاً جوهرياًُ بين طبيعة عالم الروح عند "هيجل" وبين
تلك الطبيعة عند "أفلاطون"، فعالم الروح عند هذا الأخير هو عالم ساكن
(إستاتيكي) لا يتغير، وذلك لأنه مستودع المثل ومنبع الفضائل (على نحو ما
فصلنا في المبحث السابق)، وبالتالي فقد كان "أفلاطون" يستنبط من هذا
العالم مجموعة من النتائج المنطقية التي يرى فيها حقائق مطلقة صالحة لكل
زمان ومكان، باعتبارها تعبيراً عن الأمثل الكامن في عالم الروح الساكن
الذي لا يتغير(9).
أما عالم الروح عند "هيجل" فله طبيعة مغايرة، فهو
عالم متحرك (ديناميكي) متطور. وذلك في معنى أن الميتافيزيق أو "الروح
المطلق" (على نحو ما أسماه هيجل) تتطور باستمرار، وإنها حين تتطور تطور
معها واجهاتها المادية المحسوسة المتمثلة في "الطبيعة والمجتمع"، وبالتالي
فإن الوجود عند "هيجل" ليس فكرة ومادة، ولا حتى روح ومحسوس، وإنما هو
"روح" قد كشفت عن ذاتها في صورة العالم المحسوس (الطبيعة والمجتمع)(10).
ومن الواضح أن "هيجل" قد تأثر في فكرته هذه بدراسته اللاهوتية للديانة
المسيحية، وذلك إلى جانب تأثره بالفكر الإغريقي. ذلك بأن مقدمة "وحدة
الوجود" المشار إليها، والتي أستند إليها فكر "هيجل" برمته، إنما هي مقدمة
لاهوتية دون شك. إن فكرة "الروح المطلق" عند "هيجل" – لا تعدو أن تكون
تعبيراً عن الإله الذي خلق الطبيعة والمجتمع كي يدرك البشر ذاته سبحانه
وتعالى من خلال مخلوقاته. إنها ذات الفكرة التي خطها أفلاطون عن عالم
الروح، والتي دعته إلى القول – في أزهى عصور وثنية الغرب – بوجود إله
واحد، مبدع للكون، وخالق للبشر، وملهم للقيم.
هكذا إذن فإن نشأة
"هيجل" كطالب لللاهوت وعاشق لفلسفة أفلاطون كان لها عظيم الأثر في المقدمة
الكبرى التي أنطلق منها فكره قاطبة ألا وهي "وحدة الوجود". هذا بيد أنه
راح يضيف لها فكرة جديدة قوامها – كما أشرنا – أن الروح المطلق ذات طبيعة
متطورة، وأنها حين تتطور تطور معها واجهاتها المادية المحسوسة (الطبيعة
والمجتمع).
ثالثاً: فكر "هيجل":
إن الشروع في تناول فكر "هيجل"
لابد وأن يبدأ من فكرته التي اعتمد عليها في منهجه، ألا وهي تطور الروح
المطلق، ذلك بأن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: كيف يتم هذا التطور؟
هنا تأتي فلسفة "هيجل" الجديدة، فالروح – عنده – تتطور وليست ساكنة، وهي
في تطورها تطور معها شكلها الخارجي (الطبيعة والمجتمع)، وهو ما يعني
بالتبعية أن أصل تطور الطبيعة والمجتمع إنما يكمن في تطور الروح المطلق
ذاته (أي الفكرة المطلقة). ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة عن "الجدلية
Dialectic" والتي قوامها أن "الفكرة" (التي هي من شأن عالم الروح) تنطوي
بالضرورة على نقيض لها سرعان ما تفرزه، ثم يكون صراعاً بين الفكرة ونقيضها
ينتهي إلى الوصول إلى "فكرة متقدمة"، غير أن هذه الأخيرة أيضاً تنطوي على
نقيضها الذي ما أن تفرزه حتى ينشأ الصراع بينهما مسفراً عن "فكرة جديدة
أكثر تقدماً" تفرز بدورها نقيضها وهكذا(11).
وإنطلاقاً من فكرة
"الجدلية" هذه، راح "هيجل" يقدم لنا تفسيره لتطور المجتمعات، وذلك عبر عدة
مؤلفات ضمنها أبرز أفكاره الفلسفية، ويأتي على رأس هذه المؤلفات:
• كتابه المعنون بـ "علم ظواهر الروح(12) Phenomenology of the Spirit" (صدر في عام 1807).
• وكتابه المعنون بـ "علم المنطق The Science of Logic" (وصدر في ثلاثة مجلدات على نحو ما أشرنا في موضع سابق).

وموسوعته في العلوم الفلسفية "The Encyclopedia of Philosophical
Sciences" (صدرت في عام 1821). هذا فضلاً عن كتب أخرى صدرت بعد وفاته، حيث
جمعها ونشرها مجموعة من تلاميذه.
وبعيداً عن التفاصيل الفلسفية التي
عرض لها "هيجل" في كتاباته هذه، والتي لا مجال لسردها في عملنا هذا، فإن
أهم ما يعنينا هنا هو أفكاره ذات البعد السياسي. وعلى ذلك فسوف نبدأ
بفكرته عن "تطور المجتمعات"، وما يستتبعه ذلك من تطور المؤسسات
الاجتماعية. وفي هذا السياق أشار "هيجل" إلى أن "الأسرة" هي المؤسسة
الاجتماعية الأولى من حيث الظهور التاريخي، ثم وبعامل التطور ظهرت الصورة
الثانية والتي تمثلت في "المجتمع المدني"، ثم مالبث هذا الأخير أن تطور هو
الآخر ليسفر لنا عن صورة "الدولة"(13).
ووفقاُ لفسلفة "هيجل" فإن هذا
التطور ما هو إلا صدى لتطور "الروح المطلق" (بفعل "الجدلية")، ذلك بأن
"الروح المطلق" قد راح يكشف عن ذاته - فيما يتصل بالمجتمع - في شكل
"الدولة"، ولذلك فإن "الدولة" – عند "هيجل" - مقدسة لأنها التعبير عن
المرحلة النهائية لتطور "الروح المطلق"(14).
وفي تفصيل ذلك يقول
"هيجل" أن "الأسرة" (الفكرة الأولى) هي أسبق المؤسسات الاجتماعية في
الظهور من الناحية التاريخية، لأنها الرباط الروحي بين الجنسين، حيث تستمد
علاقة الرجل بالمرأة شرعيتها من خلال ذلك الرباط، ومن خلاله أيضاً تستكمل
علاقتهما صورتها المثالية بإنجاب الأطفال. هذا بيد أن رباط الأسرة هو رباط
عارض (مؤقت)، يزول بوفاة الزوجين أو إنفصالهما، ولذلك أتجهت مجموعة الأسر
إلى التجمع والتعاون لرعاية مصالحها الخاصة وحمايتها، ومن هنا ينشأ
"المجتمع المدني"(15) (نقيض الفكرة الأولى) ليعبر عن العلاقات المختلفة
التي تنشأ بين أفراد الأسر (بعد استقلالهم عن أسرهم)، حيث تتعدد الأهداف
وتتباين المصالح، فبعدما كان الهدف واحداً في الأسرة (ألا وهو تحقيق مصلحة
جميع أفرادها)، نجد أن كل فرد (داخل المجتمع المدني) قد راح يسعى لتحقيق
مصلحته الخاصة، وليقوم المجتمع المدني بتحقيق غاية رئيسية هي تلبية حاجات
الأفراد من خلال عمل الجميع، وهنا تظهر عدة قوى متباينة هي قوى الطبقات
المختلفة، وما يستتبعه ذلك من تعارض في المصالح واختلاف في الآراء وتنوع
في العلاقات(16).
وهكذا تظهر دولة "هيجل" لتمثل الإفراز الطبيعي
لتصارع الفكرة الأولى (الأسرة) مع نقيضها (المجتمع المدني)، فهي مركب من
الفكرتين معاً، ذلك بأنها تعالج نقائص الأسرة ونقائص المجتمع المدني في آن
واحد، فإذا كانت الأسرة "مؤقتة فإن "الدولة" دائمة، وإذا كان "المجتمع
المدني" يعبر عن تصارع القوى الطبقية المختلفة، فإن "الدولة" هي التي
تستطيع أن تستوعب هذا الصراع لتوفق بين الإرادة الفردية والإرادة
الكلية(17).
وعلى ذلك يمكننا تلخيص فكرة "هيجل" عن الدولة فيما يلي(18):
1 - أن "الدولة" هي الصورة النهائية لتطور "الروح المطلق"، وبالتالي فهي "ظل الله في الأرض" (The March of God in the World).
2 - أن طاعة الدولة هي طاعة لله، وما دامت سلطة الله مطلقة لا حدود لها ولا قيود عليها، فكذلك سلطة الدولة.
3 - أن ما تفعله "الدولة" هو حقُ كله، ذلك بأنها لا تخطئ ولا تظلم.
4 - أن "الدولة" هي "كلُُ"، تتضاءل إلى جواره الأجزاء التي تكونه، كما أنه لا قيمة للأجزاء بدون الكل.
5 - أن الدولة هي غاية في ذاتها وليست مجرد وسيلة.
أما عن سلطات الدولة عند "هيجل"، فهي سلطات ثلاث رئيسية(19):
• السلطة التشريعية: وهي تمثل مصالح "الكثرة".
• السلطة الإدارية: وتتضمن السلطتين التنفيذية والقضائية، وتمارسها الطبقة الارستقراطية وتمثل مصالح "القلة".
• السلطة الملكية: وتتمثل في "الملك.
ولعله من الضرورة بمكان أن نتوقف عند هذه السلطة الأخيرة، التي هي السلطة
الملكية، ذلك بأن صورة الدولة عند "هيجل" لا تكتمل إلا من خلال استعراض
تصوره لسلطة الزعيم، فدولة "هيجل" – على نحو ما بينا بتفصيل طويل – تمثل
تجسيداً لإرادة الروح المطلق، وبالتالي فهي مقدسة. وهنا تأتي أهمية
"الزعيم"، لأنه – وفقاً لتصور "هيجل" – يعبر عن إرادة الروح المطلق التي
هي "الإرادة الكلية"، وبالتالي فإن سلطة الزعيم – عنده – لابد وأن تكون
مطلقة بلا قيد، إذ لا مجال للخوف من أن يتدلى الزعيم إلى الاستبداد ذلك
بأن حكمة الروح المطلق ستعصمه من الزلل وستحول بينه وبين الوقوع في الخطأ.
وعلى ذلك فإن "الملكية المطلقة" – عند هيجل – هي أمثل أشكال الحكومات على
الإطلاق(20).
والحق أن فكرتي "هيجل" عن "الدولة المقدسة" و "الزعيم
المطلق" جاءتا كتعبير عن حياة مفكرنا وبيئته، ذلك بأنه كما قدمنا عاش في
حقبة كانت ألمانيا فيها ممزقة الأوصال ينطوي كيانها على عشرات الوحدات
السياسية المستقلة، الأمر الذي جعله يتحرق شوقاً إلى اليوم الذي يرى فيه
بني جلدته وقد جُمع شمل شتاتهم في دولة واحدة تجسد الهوية الألمانية. وهي
غاية لن يتأتي لها أن تتحقق – عند "هيجل" – إلا على يد زعيم عسكري فذ يخرج
من بين صفوف أولئك الذين يتكلمون بلسان ألماني(21). ولعل فكرة "هيجل" هذه
عن "الزعيم" تجد أصلها في إعجابه – على نحو ما أشرنا – بمشهد الزعيم
الفرنسي "نابليون بونابرت" وهو يتصدر مواكب جنوده مخترقاً شوارع مدينة
"يينا" الألمانية.
وغني عن البيان أن نشير هنا إلى أن فكرة "هيجل" عن
تقديس الزعيم كان لها عظيم الأثر على موقف الألمان من حكامهم لعقود طويلة
تلت وفاة فيلسوفهم الفذ، فهم الذين تجمعوا خلف "بسمارك" البروسي عندما
نادى داعي الجهاد لأجل الوحدة الألمانية، تلك الوحدة التي في سبيلها بذلوا
دماءهم، والتي على الدرب إليها نثروا أشلاءهم، فكان لهم ما أرادوا، وتحققت
مقولة "هيجل" بأن الوحدة الألمانية لن تكون إلا على يد زعامة عظيمة، فكان
"بسمارك" هو تلك الزعامة التي حولت حلم الوحدة إلى حقيقة في عام 1871. وفي
نفس الإطار إلتف الألمان حول إمبراطورهم "فيلهلم الثاني"، ذلك الذي خاض
بهم غمار الحروب فأطاعوه، ووعدهم بالتمكن لعزتهم في الأرض فساروا خلف
رايته إلى أن خبا نجمه على أثر هزيمة ألمانيا المذلة في الحرب العالمية
الأولى. ثم كان أن تكرر نفس المشهد مع زعيم جديد هو "أودلف هتلر"، الذي
تولى زعامة ألمانيا في ثلاثينيات القرن الماضي، فالتف حوله الألمان عندما
راح يجتاح شرق أوروبا – إبان الحرب العالمية الثانية – مرددين خلفه عبارة
"ألمانيا فوق الجميع"، وليذوقوا على يديه هو الآخر مرارة الهزيمة المهينة
في الحرب العالمية الثانية(22).
ومهما يكن من أمر تقديس الألمان
للزعيم ارتباطاً بفكرة "هيجل"، فإن ما يعنينا هنا هو أن الزعيم عند "هيجل"
هو المعبر عن إرادة الروح المطلق، أو على حد قوله: "إن تاريخ البشرية ليس
إلا التعبير عن التقدم المطرد للروح المطلق، إن هذه الروح هي التي تحرك
التاريخ وليس العظماء أو الزعماء كما قد يعتقد الناس، إن هؤلاء الزعماء هم
مجرد أدوات لقوة الروح المطلق الكامنة تحت سطح التاريخ تنفذ إرادتها من
خلال تصرفاتهم التي يعتقدون أنهم هم موجهوها"(23).
وارتباطاً برؤية
"هيجل" هذه للتاريخ، فقد راح يربط "حركة التاريخ" بالحرية، حيث يرى أن
هناك إتجاهاً مستمراً للسعي نحو الحرية باعتبارها الهدف المطلق
للتاريخ(24). وعلى ذلك يشير "هيجل" إلى أن "الدولة" وحدها هي التي توفر
أجواء الحرية، فلا مجال لتحقيق الحرية للأفراد إلا داخل الدولة(25). بيد
أن هذا لا يعني – عند "هيجل" – تحرر الفرد داخل الدولة من أية قيود، بل
على العكس من ذلك، فالحرية – عنده – تعني أن ينصهر الفرد في الدولة بحيث
يخضع لها بشكل مطلق. وعلى ذلك فالحرية في المنظور الهيجلي تشير إلى عمل
الفرد كجزء من الدولة، وأولوية الدولة في مواجهة الأفراد، فالدولة هي التي
تضفي على الفرد صفة المواطن الحر إن هو أطاع القانون، فمن أطاع القانون –
عند "هيجل" – فقد أطاع نفسه وحقق حريته(26).
ولعلنا نستطيع القول بأن
أساس الدولة – على نحو ما يراه "هيجل" – هو "القانون"، ذلك بأن "القانون"
هو الذي يحكم ويحدد حياة الفرد، بيد أن هذا لا يعني القانون الذي يصدره
الحاكم بإرادته التعسفية، بل القانون الذي يتفق مع العقل، لأن مضمون
القانون – كما ينبغي أن يكون – هو "الحق"، ولذلك وضع "هيجل" شروطاً أربعة
للتحديد العقلي للحق بحيث يصبح قانوناً، وتتلخص هذه الشروط فيما يلي(27):
1 - أن يكون القانون عاماً وشاملاً، وذلك في معنى أن يطبق على الكافة بلا استثناء أو تمييز.
2
- أن يكون معلوماً للكافة، فما دام القانون ملزماً لجميع المواطنين، فلابد
لكل مواطن أن يعرف مضمونه، وإلا فسوف يكون من الصعوبة بمكان أن نعتبر
المواطنين مسئولين عن تنفيذ بنود هذا القانون.
3 - أن تنفذ هذا القانون
وتدعمه سلطة عامة، بحيث تصبح مهمة هذه السلطة هي التحقق من أن العدالة قد
أخذت مجراها في الحالات التي ينتهك فيها القانون.
4 - أن يعبر القانون عن قيم المجتمع وعاداته وتقاليده.
وفي هذه الشروط ما يكشف بوضوح عن أن "هيجل" لم يقصد بفكرتيه عن "الدولة
المقدسة" و "الزعيم المطلق" تقديم سند فلسفي لطغيان الحاكم واستبداده،
وإنما أراد أن يقيم "دولة قوية" (لأنها تمثل عنده تجسيداً لإرادة الروح
المطلق)، يحكمها "زعيم قوي" (يستمد قوته من كونه المعبر عن إرادة الروح
المطلق)، في ظل "قانون عادل يتفق مع العقل ويحق الحق".
وعلى أية حال
فقد توفى "هيجل" في عام 1831 متأثراً بمرض "الكوليرا"، وذلك بعد أن قلدته
المملكة البروسية أرفع أوسمتها في عام 1830، وبعد أن عُين - في نفس عام
وفاته – رئيساً لجامعة برلين. هذا غير أن ما تحقق من ذيوع لأفكار "هيجل"
بعد رحيله، قد فاق بمراحل ما تحقق لها في حياته، حتى أنه راح يوصف
باعتباره أهم فلاسفة القرن التاسع عشر، إذ أن آثار فلسفته قد امتدت لتشمل
كافة المذاهب الفلسفية التي سادت في القرن العشرين، حتى أضحى من الضرورة
بمكان للباحث في مجال الفلسفة أن يرجع إلى ذلك المذهب الفلسفي الذي أستوعب
تاريخ ما قبله وحدد مسار ما بعده. وليصدق – حول فكره – ذلك السؤال الذي
طالما تردد على أذهان وأقلام العديد من المفكرين في فلسفته السياسية، ألا
وهو: هل كان قتال السوفيت، والألمان في عام 1943 إلا ثمرة ناتجة عن صدام
الجناح الأيسر والجناح الأيمن من فلسفة هيجل؟(28).
والحق أن الإجابة
عن هذا السؤال تكشف بوضوح عن مدى تأثير أفكار "هيجل" في أحداث القرن
العشرين. ذلك بأن تأثير تلك الأفكار قد أمتد – على نحو ما أشرنا – إلى
ألمانيا الهتلرية في ثلاثينيات القرن الماضي (أي بعد قرن كامل من وفاة
هيجل)، حيث أخلص الألمان لزعيمهم – تأثراً بأفكار فيلسوفهم – على الرغم من
الطريق الوعر الذي سلكه بهم والخطوب الجسام التي حاقت بهم من جراء
مشايعتهم له، فخاضوا معه غمار حرب ضروس أتت على الأخضر واليابس، وكل ذلك
لا لشئ إلا إيماناً بألمانيا القوية التي رسمها "هيجل"، واقتناعاً بقداسة
زعيمها الذي تعصمه الروح المطلق من الزلل وتحول بينه وبين الوقوع في الخطأ
!!
وعلى الرغم من تسلط الفلسفة الهيجلية المثالية المطلقة على الفكر
الألماني طوال تلك الحقبة الزمنية، إلا أن هذا التسلط لم يحل دون إنقسام
المدرسة الهيجلية – ذاتها – ما بين يمين ويسار، فثمة فريق من الهيجليين
(اليمينيون) يؤمن أصحابه بفلسفة "هيجل" المثالية وما نتج عنها من فكر
سياسي محافظ، وثمة فريق آخر من اليساريين – وفي طليعتهم "ماركس" راح
أصحابه يرفضون فكرة الحقيقة الكامنة في عالم الروح وما نتج عنها من مثالية
مطلقة، ليقدموا فكرة مغايرة قوامها أنه لا حقيقة إلا في عالم المادة (عالم
المحسوس)(29).
هذا غير أن "ماركس" ورفاقه قد ظلوا مع ذلك محتفظين من
فلسفة "هيجل" بفكرته عن "الجدلية"، فراحوا يطبقونها على المادة كبديل
لتطبيق "هيجل" لها على الفكرة، فكانت فلسفة ماركس القائمة على "المادية
الجدلية"، وهو ما أعلنه ماركس صراحة في كتابه المعنون بـ "رأس المال"، إذ
يقول: "إن منهجي الجدلي لا يقف في مخالفته لمنهج هيجل عند حد الاختلاف في
الأساس، وإنما هو النقيض له تماماً، إن حركة الفكر – عندي – ليست إلا صدى
لحركة الواقع (المحسوس) وقد تمثلت في أدمغة البشر، لقد أقام هيجل الجدلية
على رأسها فأقمتها أنا على قدميها"(30).
ومهما يكن من أمر الاختلاف
بين فلسفة هيجل وفلسفة تلميذه ماركس، فليس من شك في أن فكرة الأستاذ عن
"الجدلية" قد كانت بمثابة القلب النابض من فكر تلميذه، فارتباطاً بها جاءت
نظرية ماركس بصدد تفسير المجتمعات مادية جدلية، تلك النظرية التي طبق
صيتها الآفاق، وأحدثت آثاراً بالغة في تاريخ العالم المعاصر، وما إنطوى
عليه من نظم سياسية واجتماعية واقتصادية. وذلكم كله كان بوحي من فكر
"هيجل"، وعلى هدى من نبراس معرفته.
هكذا إذاً نجيب بنعم عن السؤال
الذي طرحناه في سطور سابقة، ذلك بأن قتال السوفيت والألمان في عام 1943
(ضمن معارك الحرب العالمية الثانية)، لم يكن إلا مجرد ثمرة من ثمار صدام
الجناحين الأيمن والأيسر لفلسفة هيجل، حيث تمثل الجناح الأيمن في
"ألمانيا" وشعبها الذي خاض غمار الحرب إيماناً بتلك الفلسفة. هذا بينما
تمثل الجناح الأيسر في"السوفيت" (الماركسيون) الذين آمنوا بأفكار ماركس
واعتنقوا فلسفته التي هي نقيض فلسفة أستاذه. فكأن تلك الحرب كانت كلها
ثمرة لفكر هيجل ونتاجاً لمعرفته.
وعلى أية حال فسواء اتفقنا مع "هيجل"
في أفكاره أو إختلفنا حولها، فإننا لا نستطيع أن ننكر أنه بأفكاره تلك قد
راح يعد – وبحق – علماً بارزاً من أعلام الفلسفة الميتافيزيقية، وفحلاً
جليل الشأن ذائع الصيت ضمن فحولها، ورائداَ فذاَ يشار إليه بالبنان إن ذكر
في العالمين روادها.

Volver arriba Ir abajo
Ver perfil de usuario http://www.palikao0031.skyrock.com
 
أفكار هيجل الجزء الأول
Ver el tema anterior Ver el tema siguiente Volver arriba 
Página 1 de 1.

Permisos de este foro:No puedes responder a temas en este foro.
Karen :: وزارة التعليم العالي والبحث العلمي دروس ومحاضرات و امتحانات :: العلوم القانونية والادارية(حقوق) "سنة اولى" :: مقياس المنهجية العلمية-
Cambiar a: